محمد حسين علي الصغير
125
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
الملابس على الجلود ، لأن ما يظهر منهم عن مضيض الجوع وأليم الخوف ، من سوء الأحوال ، وشحوب الألوان ، وضئولة الأجسام ، كاللباس الشامل لهم ، والظاهر عليهم » « 1 » . وقد أجرى الشريف الرضي رحمه اللّه هذا الاستعمال الاستعاري على ما استخرجه بذائقته الفنية من طريقة العرب في جريان ذلك على لسانهم في مثل هذه الاستعارات المتمثلة بحديثه ، وأبان في ذلك شمول حالة الجوع والخوف لهم كاشتمال الملابس على الجلود . وجاء من بعده الزمخشري ( ت : 538 ه ) فترجم قوله على شكل اعتراض يفترض فيجاب عنه ، وقد أورد صيغته عنده هكذا : « فإن قلت : الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما ؟ والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار ، فما وجه صحة إيقاعها عليه ؟ قلت : أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها ، فيقولون : ذاق فلان البؤس والضر ، وأذاقه العذاب : شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع . وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على الملابس : ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث ، وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عما يفشى منهما ويلابس ، فكأنه قيل : فأذاقه ما غشيهم من الجوع والخوف » « 2 » . بل هو تعبير دقيق عن شدة مماسة الجوع والخوف للإنسان حتى كأنه قد تلبس فيه لبوسا ، ومسه مسا فعليا لاذعا ، أكثر مما يمس اللباس الجلد . الأصل الثاني : وهو أخذ الشبه الاستعاري من المحسوس إلى المحسوس ، ونماذجه في القرآن أقل توافرا من سابقه ، ويرجح عندي أن يكون السبب في ذلك أن الأمر الحسي واضح على العموم ، فلا ضرورة ملحة أن يمنحه القرآن
--> ( 1 ) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 196 وما بعدها . ( 2 ) الزمخشري ، الكشاف : 2 / 638 .